فخر الدين الرازي
120
شرح عيون الحكمة
فريقان : منهم من زعم : أن أظهر العلوم هو العلم بوجود الزمان ، ولا حاجة فيه البتة إلى الاستدلال . ومنهم من يزعم : أنه لا يمكن اثباته الا بالدليل والحجة . وهو اختيار « الشيخ » وأما النفاة ، فقالوا : الزمان من جنس الأمور التي لا وجود لها ، الا في الأوهام . وذلك لأن الجسم لا يوجد في الأعيان ، الا في حد واحد من حدود المسافة ، الا أن الانسان يشاهد الجسم في ذلك الحد ، ثم في الحد الثاني ، ثم في الحد الثالث . إلى آخر حدود المسافة . فهذه الحصولات وان كانت لا تجتمع في الأعيان ، إلا أن صورها تجتمع في الأذهان . فلهذا السبب يحصل للذهن شعور بأمر ممتد من أول المسافة إلى آخرها ، ويجعل ذلك الأمر الممتد كالظرف لهذه الحوادث والحركات . ومن المعلوم بالضرورة : أن ذلك الأمر الممتد لا حصول له البتة في الأعيان . فهذا تفاصيل مذاهب الناس في اثبات الزمان . واحتج « الشيخ » على اثبات الزمان في هذا الكتاب بدليلين : ( الدليل ) الأول : أن نقول : لا شك أن هاهنا أشياء نحكم على بعضها بأنها قبل غيرها ، وعلى بعضها بأنها مع غيرها ، وعلى بعضها بأنها بعد غيرها . فنقول : المفهوم من هذه القبلية والمعية والبعدية . اما أن يكون نفس الذاتين اللتين حكم لهما بالقبلية والمعية والبعدية ، واما أن تكون هذه المفهومات أمرا مغايرا لتينك الذاتين . والأول باطل . ويدل عليه وجوه : الأول : ان الذات التي نحكم عليها بالقبلية ، قد نحكم بعد ذلك عليها بالمعية ، ثم نحكم عليها بالبعدية . ولما رأينا القبلية تبدلت بالمعية والمعية بالبعدية ، مع أن الذات المحكوم عليها بهذه الأمور باقية ، علمنا بأن هذه الأحوال أمور مغايرة لتلك الذات . الثاني : ان الشئ المحكوم عليه بالقبلية ، قد تكون حقيقته أنه انسان أو حركة أو سكون . والمعقول من كونه انسانا وحركة وسكونا غير المعقول من كونه قبل وبعد .